التسويق العصبي... الانتقال من سلوك المستهلك إلى دماغه

تطورت عملية الإعلان من مخاطبة الحواس المتعارف عليها إلى مخاطبة الخلايا العصبية للفرد وذلك نتيجة للتطور الحاصل في مجال التقنيات إذ أصبح هذا التطور يقفز قفزات متسارعة ومتباعدة، وبدأت عمليات الإعلان تهتم بالسيطرة على دماغ المستهلك والتعرف على أفكاره ونواياه تجاه منتجات تجارية محددة. كما أصبح الخبراء لا يسألون المستهلك مباشرة عن رأيه بالسلعة وإنما يسألون دماغه. هذه المرحلة من التقدم في مجال التسويق الإعلاني تُعرف بإسم التسويق العصبي.
ويعرّف التسويق العصبي Neuromarketing بأنه مجال علمي حديث نسبياً في بحوث التسويق، وآخر صرعات الترويج الإعلاني، يهتم بدراسة جوانب الحس والسلوك لدى المستهلكين عند تعرضهم لمؤثرات مثل الإعلانات والعلامات التجارية وقياس مستوى استجابتهم للإعلان وردة فعلهم تجاه مشاهدتهم لمنتج معين اعتماداً على مجموعة من التطبيقات لقياس نشاط الدماغ البشري وانفعالاته.
كما يعرّف أيضا بأنه أسلوب من أساليب التسويق الحديثة التي تسعى للسيطرة على عقل المستهلك والتعرف ليس فقط في ماذا يفكر أو يشعر، إنما التوصل أيضا إلى معرفة ماذا ينوي هذا المستهلك.
وعليه فان التسويق العصبي يحاول استغلال الفهم العلمي لطريقة عمل الدماغ البشري في توجيه عملية اتخاذ قرار المستهلك لمصلحة السلعة التجارية، كما أنه يهدف إلى الإجابة على هذه الأسئلة التالية: لماذا نختار منتجاً تجارياً دون الآخر؟ ما هي العوامل التي تؤثر على قراراتنا في الشراء؟ وهل "العقلانية" هي دائماً سيدة الموقف؟
في بداية البحوث التسويقية اهتم خبراء التسويق بسلوك المستهلك الذي يُعرّف بأنه: التصرف الذي يبرزه شخص ما نتيجة تعرضه إما إلى منبه داخلي أو خارجي نحو ما يطرح من منتجات أو خدمات أو أفكار تعمل على إشباع حاجاته أو رغباته وحسب بيئته. ويأخذ سلوك المستهلك شكلين هما:
1 ـ سلوك ضمني مستتر غير ملموس مثل التفكير والتأمل.
2 ـ سلوك ظاهر حسي ملموس مثل تناول الطعام.
وعليه فإن سلوك الزبون هو ناتج عن عوامل آنية يخضع لها أثناء ممارسته لهذا السلوك أو ناتج عن خبرات تاريخية من تفاعله مع البيئة.
واستناداً لذلك، فإن القائمين بعملية التسويق يقومون بمجموعة من الخطوات قبل تقديم أي منتج:
1 ـ يصمم خبراء التسويق بحوثهم واستقصاءاتهم لفهم آراء المستهلكين وقراءة سلوكهم المحتمل، في حالة إصدار منتج جديد أو إجراء تعديلات على منتج قائم.
2 ـ ملء الاستقصاءات والقيام بالبحوث التسويقية والإنصات للمستهلكين.
3 ـ ترجمة المعلومات الواردة في الاستقصاءات والبحوث التسويقية إلى خطط وتصميمات للإنتاج.
4 ـ طرح المنتجات في الأسواق.
5 ـ دراسة رد الفعل لمستهلكين من خلال المزيد من الاستقصاءات والبحوث.
وتجدر الإشارة إلا إنه غالباً ما يحدث فشل في المنتجات الجديدة نتيجة لأخطاء في الخطوات الثلاث الأولى، وهي الخطوات التسويقية التي تتعامل مع آراء الزبائن وسلوكهم وذلك لصعوبة التعرف عليها بشكل دقيق، نتيجة لعدم وجود مقاييس تمكن القائمين بعملية التسويق من قياس وتحليل سلوك الزبائن وبالتالي يتم التركيز على نظريات السلوك والحدس والرأي الشخصي في تحليل سلوك الزبائن وهذه كلها غير كافية بسبب التغير السريع في القرار الشرائي لدى المستهلكين من فترة إلى أخرى، وهذا ما يهدد بإزاحة المسوقين من عالم التسويق ما لم يطوروا وسائلهم التي تمكنهم من معرفة بماذا يفكر المستهلك بشكل دقيق. وعليه أصبح التسويق بحاجة إلى مساندة العلوم الأخرى والتي يقع في مقدمتها الطب عن طريق الاستعانة بخبراء في التشريح لدراسة مخ الإنسان، وهنا ظهر ما يسمى بالتسويق العصبي كحل لهذه المشاكل.
ومن الأسباب التى جعلت الباحثين يلجؤون إلى التسويق العصبي هو أن المخ يستهلك 2% فقط من النشاط الواعي الشعوري، والباقي هو نشاط معالجة لاشعوري،  ولهذا السبب قام الباحثين في التفكير بطريقة تساعد على السيطرة على المستهلك من خلال التسويق العصبي. وأدركوا أنه يمكن الدخول الى دماغ المستهلك (إن جاز التعبير) والتأثير عليه ومعرفة ما يرغب لسد احتياجاته ورغباته.