أظهرت نتائج الأبحاث المتعلقة بعلم نفس الأعصاب الكثير من النجاحات لما تقدمه من نصائح وأفكار للشركات وعن كيفية دراسة الإعلانات قبل التسويق للمنتجات، بحيث يتم عرض الإعلانات على مجموعة من المتطوعين أثناء تعرضهم لأجهزة الرنين المغناطيسي وقياس موجات المخ وحساب رد الفعل اللاشعوري العميق للمحفزات وتعديلها لكي تؤثر على مناطق معينة من الدماغ لتجعل قرار المستهلك لصالحها.
واستخدم مجموعة من الباحثين المختصين في علم التسويق، صور مخطط كهربائية الدماغ لدراسة الترددات الكهربائية في المخ من أجل تحليل استجابة المستهلكين للإعلانات الترويجية ومعرفة ماذا يحدث في عقولهم عند مشاهدة إعلان تجاري مؤثر ومقنع، ولاحظوا أن موجات المخ التي ترتبط بالانتباه الزائد تصبح أكثر نشاطاً لسبب ما، بينما تميل موجات المخ التي تشير إلى الانتباه الأقل تركيزاً إلى الاستقرار في الوقت نفسه.
فمن خلال قياس موجات المخ، يمكن قياس الانتباه والانفعال والذاكرة، وبالتالي حساب رد الفعل اللاشعوري العميق للمحفزات.
ويستمد سبب وجود التسويق العصبي من حقيقة أن المخ يستهلك اثنين في المائة فقط من طاقته في النشاط الوعي الشعوري، مع تخصيص النسبة المتبقية بشكل كبير لعملية المعالجة اللاشعورية. ولهذا يعتقد المسوقون العصبيون أن طرق البحث التقليدية في السوق - مثل عمليات المسح للمستهلكين ومجموعات التركيز - تعتبر غير دقيقة بشكل متأصل، لأن المشاركين لا يمكنهم على الإطلاق توضيح الانطباعات اللاشعورية التي تثير انجذابهم لمنتجات معينة.
وكي يُقدّر للإعلانات النجاح، فإنها بحاجة إلى الوصول للمستوى اللاشعوري في المخ، وهو المكان الذي يطور فيه المستهلكون اهتماما أولياً بمنتجات معينة والرغبة في شراء هذه المنتجات والولاء للعلامة التجارية.
ولقد استخدمت شركات عالمية، مثل غوغل، وسي بي إسن وديزني.. طريقة التسويق العصبي من أجل اختبار انطباعات العملاء، وهذا ما أضاف مصداقية لهذا المجال.
ومن أجل فهم آلية عمل التسويق العصبي لا بد من فهم آلية عمل المخ البشري والتعرف على مكونات الجهاز العصبي:
1 ـ الجهاز العصبي المركزي:
يتألف من: المخ والمخيخ والحبل الشوكي، الجزء الخارجي من هذه الأقسام الثلاثة يعرف بالقشرة وهو المسؤول وظيفياً عن مهام معقدة مثل التعلم، التفكير المنطقي، اللغة. وتحت المخ الخارجي يأتي المخ الوسيط أو الرابط، وهو المسؤول عن تنظيم المشاعر والدوافع النفسية، والتحكم في مزاجنا. وفي قلب المخ يستقر الجزء الثالث (المخ الداخلي)، والمسمى (R complex) والذي يتولى توجيه الإشارات الأساسية كالجوع وضبط حرارة الجسم و الدفاع و الخوف من الخطر ...
وتتبادل هذه الأجزاء الثلاثة المتداخلة المعلومات فيما بينها، إنما ليس على مدار اللحظة، فمثلاً: في حال مشاهدة حادث سيارة على الطريق، يقوم المخ الداخلي بإرسال إشارة بالخطر إلى المخ الأوسط الذي يتعامل مع الموقف بما يستحقه من المشاعر: الخوف، الحزن،... وهذا الشعور سيصل إلى القشرة الخارجية للمخ التي ستتوصل بناء عليه إلى قرار منطقي ما قد يكون: "سوف لن أسلك هذا الطريق مرة أخرى" أو يكون: "ينبغي عليّ أن أشارك في إسعاف المصابين".
ما خلُص إليه الباحثون، وما يركز عليه المهتمون بالتسويق العصبي؛ هو أن الإشارات الأكثر قوة وتأثيراً تصدر عن المخ الداخلي (R Complex) بل هي تطغى على إشارات المُخّين الأوسط والخارجي وتُنفّذ على حسابهما، وعلى حساب القرارات المنطقية المدروسة الصادرة عن القشرة الخارجية بالذات. ومدار دراسات التسويق العصبي هو في فهم لغة هذا المخ الداخلي وكيفية تواصله مع الأجزاء الأخرى.
2 ـ الجهاز العصبي المحيطي:
يعمل الجهاز العصبي المحيطي على نقل الإشارات والرسائل بين الجهاز العصبي المركزي وأعضاء الجسم المختلفة ويتكون من اثني عشر زوجاً من الأعصاب تبدأ من الدماغ وتسمى بالأعصاب القحفية بالإضافة إلى واحد وثلاثين زوجاً من الأعصاب التي تبدأ من النخاع الشوكي وتسمى بالأعصاب النخاعية وتعمل هذه الأعصاب كأسلاك الهاتف حيث تقوم بنقل الرسائل من كل عصبون مستقبل ومستفعل في الجسم وإليه.
3 ـ الجهاز العصبي الذاتي:
يتألف من الجهاز الودي واللاودي، وهو مسؤول عن أداء الوظائف الفسيولوجية في الجسم كتنظيم ضغط الدم والجهاز التنفسي وحركة الأمعاء والغدد الصماء، ويقع هذا الجهاز تحت سيطرة مراكز حسية تقع في لب المخ.
وفي تجارب خاصة بالشركات، يقوم العلماء بإدخال المتطوعين في أجهزة الرنين المغناطيسي، و يعرضون عليهم لقطات متفرقة لسلع ومنتجات معينة، لتقوم أجهزة الرنين بتصوير المخ أثناء تتابع كل من هذه اللقطات، يحصل الباحثون على صور تفصيلية وآنية لاتجاه سريان الدم فيه ومواقع الخلايا العصبية النشطة خلال هذه العملية.
ومايطمح إليه المسوقون العصبيون هو تعزيز هذه الرابطة أو الولاء للاسم التجاري، وإعادة صياغة إعلاناتهم التجارية وتصاميم منتجاتهم بحيث تصب في هذا المجرى وتكون أكثر تأثيراً في هذه المناطق من المخ تحديداً.
استناداً لما تقدم، يمكن القول إن مركز اتخاذ قرار الشراء للإنسان يقع في الجهاز العصبي المركزي والمكون من (المخ، والمخيخ، والحبل الشوكي).
وعليه يرى الباحثون إن قرار الشراء في المخ أو ما يسمى بـقرار الشراء العصبي يمر بمجموعة من الخطوات وهي:
1 ـ صدور عدة إشارات من المخ بخصوص السلعة أو الخدمة التي تم تحديدها للزبون.
2 ـ نتيجة للإشارات المرسلة، تقوم بعض السلع بتحريك مراكز الإثارة والحماس ولكنها لا تكفي لاتخاذ قرار الشراء.
3 ـ البعض الآخر من السلع ينتقل إلى مرحلة المداولة ويحظى باهتمام من المخ.
4 ـ القرار النهائي، وهو مرحلة القناعة التامة بحاجة الزبون إلى السلع حيث يزداد نشاط المخ في مستوى القشرة الوسطية لمقدمة الفص الجبهي.
